المقداد السيوري

543

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

العلمية ، ولفلاسفة الغرب اشتغال طويل عريض في هذه العصور الأخيرة بمباحث النفس وأحوالها وبدراسة الروح الإنساني وما إلى ذلك بمثابرة ، محاولين إدخال الأرواح البشرية تحت سلطان تصرّفهم بتجارب يتخيّلون إمكان إجرائها في إحضارها ومخاطبتها ، شأنهم في مغامراتهم في جميع التجارب المادية ، وستبدي الأيام عن مردّ أمر هؤلاء الباحثين المندفعين بشره العقول ، كما أظهر نظره هكذا بعض من اهتمّ في التفكير في شؤون الروح وعجائب أسرار اللّه تعالى فيه ، وقد قال أمير المؤمنين سلام اللّه عليه : من عرف نفسه فقد عرف ربّه . وما ذكره بعض جهلة العامة : أنّه ليس بحديث بل هو من كلام أبي بكر الرازي كما في باب الفتوح ص 7 طبعة مصر سنة 1304 فهو من الأغلاط ، وناشئ عن عدم الاطّلاع ، فإنّه أين أبي بكر الرازي من هذا الكلام اللائح منه أنوار المعرفة ، بل هو من جملة المائة كلمة التي انتخبها أبو عثمان الجاحظ المتوفّى 255 من كلمات أمير المؤمنين عليه السّلام ، وذلك ثابت محقّق لا سترة عليه « 1 » . وانظر إلى تعاليقنا على الأنوار النعمانية « 2 » ، وقد تكلّمنا حول هذه الكلمة الشريفة وأشرنا إلى اشتباه بعض المحدّثين ، وذكرنا أنّها مروية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام . فلنذكر هنا من دلائل العقل والكتاب والسنة على تجرّد الروح التي هو النفس الناطقة الانسانية ، فمن أدلّتهم : أنّ معلوماته لا تقف عند حدّ ، فلو كان الروح جسما لكانت معلوماته واقفة عند حدّ ؛ لتعذر ارتسام ما لا نهاية له من الصور في جسم محدود . وغير خفيّ أنّ تفهّم تجرّد الروح يعين كثيرا [ في ] فهم تنزّه الإله جلّ شأنه من الزمان والزمانيات والمكان والمكانيات وإن كان لا يرقى إليه فهم الشخص العامي ، ولا يفهم أنّ الروح : لا داخل البدن ولا خارجه كما أنّ اللّه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه وهو بكلّ شيء محيط .

--> ( 1 ) انظر شرح المائة كلمة ، ص 57 ، طبعة طهران . ( 2 ) الأنوار النعمانية ، ج 1 ، ص 9 ، طبعة تبريز .